ثقافة

مقال “مصيري” أيضا

وعينا على الدنيا – كجيل اقصد – وفي أذاننا ترن كلمة “مصيرية” وكأنها جرس معلق في الرقاب، كل شيء كان مصيرياً في مفهوم ذاك الوقت، الحب مصيري، القضية مصيرية، التاريخ مصيري، التاسع مصيري والبكالوريا أيضا، تلك الكلمة وذاك الخطاب كذلك الأمر “مصيرية” السلم مصيري الحرب مصيرية، حتى لعبة “الفوتبول” كانت مصيرية، -وهذه سوف نعود إليها، لذا لا تخرجوها من بالكم-، حتى قلنا في خاطرنا حينها أو بعد سنوات مضت، أنها كلمة عبرت حدود الكتب والمصنفات وصارت من أوصاف ذاك الزمان، ولا ريب أنها الآن ليست ما تدل عليه، وبناء على هذا عمدنا إلى تجاهلها في الحياة، معتقدين أن زمن المفردات الرنانة والخطابية ولى، ونحن الآن في زمن آخر، زمن المفردات الرشيقة، المتخلية عن البلاغة والتهويل والخطابية، زمن قصيدة النثر والإيهام والغموض، زمن الخفة والتحرر من الأوزان والقيود، وصارت مفرداتنا في الحياة بعيدة عن التكلف والبهرجة اللفظية، إنه زمن آخر -قلنا لحالنا هذا- ومضينا متأكدين من كوننا على صواب، ودافعنا عن هذه القناعة في الراديو والتلفزيون، في المقالات والقصائد، في القصة والرواية والمسرح والسينما والأغاني، في وصايانا وعظاتنا التي لا تنتهي، وحتى في حديثنا اليومي العابر، الذي غالبا ما كان ينتهي باتفاق ضمني، على أننا قلنا الحق، ثم مضينا، مضت الحياة، كبرنا، ذهبنا إلى الوظائف، جلسنا خلف الآلات الكتابة وكأننا اخترعناها، تزوجنا وأنجبنا، وصرنا من يقف ويقدم نصائح أبوية باللين حينا والقسوة حينا آخر، كما فعل أهلنا بالضبط، ولكننا غضبنا حينها منهم، ثم وعدنا أنفسنا أننا لن نحمل ذرة قسوة ولو في الكلام الذي سنوجهه إلى أطفالنا، وهكذا صار جل كلامنا يشبه “الكاتو” خفيفاً وحلواً، وابتعدت لغتنا عن الحماسية والبلاغية والخطابية، حينها لم نكن نصدق أن لغة كل أمة أو كل شعب هي إناء وعيه وثقافته وفكره، على اعتبار أن الصمت مثلا أيضا هو كلام ولغة! وأن ثمة لغات أخرى أكثر انفتاحا وأكثر قبولا في عالم العولمة الذي غازلناه بتبنينا لمفرداته وكأنها من نتاجنا “الميديا والانترنت” فهل جاءت الحياة كما توقعنا، وهل كنا على صواب في كل ما فعلناه وما اعتقدناه؟
في حديث جمعني مع صديقي مدير التحرير حول إحدى المقالات، اختلفنا حول مفهوم كيف يتبنى كل جيل عقيدته الفكرية وما تفرزه من قضايا وأفكار، بحيث ينتصر لها ويدافع عنها ويقويها، ووجد أنني لست متحمسا للكلام، فكون الحكاية متعلقة بأن هذا “جيلي” وما يصدر منه وعنه هو ما سيؤسس عليه غدا، لا يعني أنني أتبناه وأدافع عنه، فجيلنا وللأسف الشديد، كان الجيل المخدوع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ففي الوقت الذي كنا نهتف ملء حناجرنا يا فلسطين، وصارت قضيتنا، كان هناك من فتح خط التجارة بورقة “فلسطين” وطارت هتافاتنا في الصباح البارد ونحن نرتجف من البرد، طارت هباء في الهواء، وفي الوقت الذي دوختنا قصائد “محمود درويش وأنسي الحاج وأدونيس والماغوط” وغيرهم، كانت مفرداتهم وقصائدهم تكتظ بالخيبة والخذلان والخسارة بل وحتى التنازل أيضا، فلم نجد أنفسنا إلا والكآبة تسورنا والخيبة والخذلان من مفرداتنا اليومية، وكأننا ولدنا مهزومين سلفا ، حتى النساء اللواتي أحببناهن وقع عليهن ما وقع على كل ما ألفناه وتوقعناه أنه حقيقي وصادق بالضرورة وفق وعينا اللغوي الجديد، فخسرنا الحب، وامتلأنا بالأوهام المحققة في لغات وبلاد أخرى سعينا لتعلم عاداتها وتقاليدها التي لم تغيرها! ولتأتي الحرب منذ سبع سنوات، فتقتل كل تلك الأوهام بالضربة القاضية، وبمطلع شعري واحد دون مزيد حجج وبيانات “السيف اصدق أنباء من الكتب” وهذا ما حدث، فلا مجال للعب مع اللغة أو حتى مجرد التفكير بتغييرها، لأن كل لغة هي كينونة الأمة التي هي قاعدة بياناتها الحقيقة وشيفرتها الوراثية الأصيلة، وهي من تحمل بذور الحداثة والتطور أولا ولا أي شيء آخر يستطيع أن يؤديه كما تؤديه، ولأننا كما يبدو لم نتطور بما فيه الكفاية، بدليل ما تبنيناه في سنين سابقة من لغة ومفردات ووعي سبق وجئنا على ذكره في المقال سابقا، وبالتأكيد ليس من حفظ ووعى “عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ/ وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ” كمن وعى وحفظ “لو تأملت وجه الضحية و فكرت/كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز/كنت تحررت من حكمة البندقية/ وغيرت رأيك”!.
“كونفوشيوس” فيلسوف الصين عندما سئل ذات مرة ماذا سيفعل بادئ ذي بدء إذا ما تكلف بأمر البلاد، أجاب: “إصلاح اللغة بكل تأكيد”. ثم سئل: لماذا فقال: “إذا لم تكن اللغة سليمة، فما يقال ليس هو بالمقصود، فما يستحق الإنجاز لن ينجز، وإذا لم ينجز ما يستحق إنجازه، فإن الأخلاق والفنون يحل بهما الانحطاط، وإذا ما انحطت الأخلاق والفنون فالعدالة ستنحرف، وإذا ما انحرفت العدالة، وقف الناس مضطربين لا حول ولا قوة لهم. ولهذا، يجب التخلي عن الاعتباط في القول، وهذا أمر يفوق في أهميته كل أمر آخر”.
فهل اعتبرنا مما سبق؟ وهل اتعظنا والنار تزحف علينا من كل مكان وأوان البناء اقترب بعد الدمار؟.
بالعودة إلى لعبة “الفوتبول المصيرية” في الوقت الذي كنا ننشد فيه “بلاد العرب أوطاني” و”ياشباب العرب هيا” كان هناك أمراء يهددون فريق بلدهم الشقيق لكرة القدم، بأنه –أي الفريق- لن يعود إلى المملكة إذا خسر اللعبة أمام الفريق السوري، أفليست لعبة مصيرية إذا؟!.

تمّام علي بركات