مجلة البعث الأسبوعية

“سيرة التطبيع” من لاءات الخرطوم إلى المقبولية الشعبية المتواطئة.. محاولة للفهم!

“البعث الأسبوعية” ــ أحمد حسن

ربما كان السؤال الأكبر الذي يدور اليوم على لسان المراقبين، ومعظم المهتمين بعلم الاجتماع السياسي، هو عن حقيقة الصمت الشعبي الملفت – المتواطئ بالنتيجة- حيال حفلة التطبيع الجديدة مع إسرائيل.

وإذا كان بعض هذا الصمت “طبيعياً” في بيئات محدّدة لم يكن لديها، تاريخياً، اهتمام جذري بفلسطين وقضيتها، فإن “الصمت الناطق” أصبح سمة بارزة لبيئات كان شعارها الجذري “لا تصالح .. ولو منحوك الذهب”..!!

وبالطبع، هناك أسباب أكثر من أن تعد وتحصى لما يجري، وأهمها ما جرى من استلاب شبه تام لوعي الجماهير العربية بهدف تعميم أيديولوجيا الهزيمة، وفي ما يلي من سطور نقدم محاولة للفهم، لا للحكم، فذلك أمر متروك للتاريخ.

لكنها محاولة تندرج في مغزاها النهائي في سياق تحذيري أيضاً، مدفوع بحقيقة إن ما يتشكّل أمامنا اليوم نتيجة التطبيع هو عصر “إسرائيلي” بالمطلق، بمعنى أن النظام الإقليمي العربي السابق، الذي سقط منذ عام 2011، يراد اليوم إحياؤه فقط بما يكفي لخدمة النظام الإقليمي “الإسرائيلي” الجديد وتحدّياته، وبذلك يمكن الكلام عن تشكّل حلف جديد علني أعداؤه كل من يطالب بالحقوق العربية المشروعة، أو حتى بالحقوق الوطنية المحلية الضرورية، ولن يكون فيه العرب، دولاً وشعباً، إلا من الخاسرين، وهذا نفق آخر، لكننا ندخله الآن وسط صمت شعبي ملفت، ومتواطئ كما يبدو، وهنا الخطورة والمأزق.

 

مفارقة أحدث الملتحقين

بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، ونقلاً عن مصادر داخل الكونغرس، فقد وصلت المطالب الأمريكية من السودان لقاء رفع اسمه من لائحة الدول الداعمة للإرهاب – وهو شرطه الرئيس مقابل الانضمام إلى فريق التطبيع مع إسرائيل – إلى ما يلي:

يدفع السودان مبلغ 10 ملايين دولار لكلّ فرد من القتلى الأميركيين الذين سقطوا في عمليات إرهابية تقف الخرطوم خلفها – بحسب واشنطن – وأقلّ من مليون دولار لنظرائهم الأجانب الذين استعانت الحكومة الأميركية بخدماتهم.

أما الجرحى من الأميركيين فتراوح التعويضات التي ستُدفع لهم بين 3 ملايين و10 ملايين دولار، وسيحصل الجرحى من غير الأميركيين على أقلّ من 500 ألف دولار.

ورغم أن أنباء أخرى تتحدث عن إمكانية تجاوز موضوع “الدفع” بسبب حماسة ترامب لإضافة دولة جديدة على فريق التطبيع، إلا أن الخبر بحد ذاته يحمل مفارقتين واضحتين، وثالثة مضمرة: الأولى، فرق القيمة والسعر الواضحين، والفاضحين، بين الأمريكي – حتى ولو كان ميتاً – وغير الأمريكي، حتى ولو كان حليفاً مات وهو يقاتل معهم..!! فيما تتمثّل المفارقة الثانية، وهي التي تعنينا هنا، بأن على السودانيين، الذين يطلبون لقاء التطبيع رفع اسم بلدهم من قائمة الإرهاب الأمريكية، أن يدفعوا أموالاً لأجل ذلك، لأن واشنطن تعتبر رفع الاسم، من اللائحة التي وضعتها منفردة وخارج كل الشرائع الدولية، جائزة يستحق التطبيع مع إسرائيل أن تُقدم لأجلها، لكن بشرط أن يحصل الـ “الكابوي” على حصته أولاً من “بلطجته” على العالم.

أما المفارقة المضمرة فهي أن السودانيين لم يطالبوا، ولا يستطيعون المطالبة، بتعويض عن المواطنين الذين قضوا جراء العدوان الأمريكي بالقصف الصاروخي المتكرر عليهم..!!

بيد أن المفارقة الأكبر هنا لا تتعلق بالسودان فقط، بل بالمسار التنازلي الذي قطعه العرب، حكاماً و”شعوباً”، خلال فترة زمنية تعتبر قصيرة في مقياس التاريخ، من “لاءات الخرطوم الشهيرة” (الخرطوم؟! يا لها من مفارقة!!) إلى “فلسطين ليست قضيتي”، ومن الرفض الشعبي المطلق للتطبيع مع إسرائيل إلى الاتهام الشعبي لغير المطبّع بالعمالة لمشاريع غير عربية، أو غير وطنية على الأقل، ومن التطبيع مقابل جائزة ما، حتى لو كانت زهيدة، إلى التطبيع والدفع لأجله أيضاً، وتلك ثالثة الأثافي كما يقول العرب أنفسهم.

والحال، فإنه لا يمكن فهم هذه المسيرة “المميزة” دون المرور، ولو سريعاً، على تجربتين رائدتين في مجال التطبيع!! أولهما التجربة المصرية العلنية، وثانيهما، الخليجية، المضمرة حتى وقت قريب، وهما، بصورة أو بأخرى، متكاملتان ومتعاضدتان في تاريخهما السري والعلني.

ولأن التجارب العربية القادمة لن تختلف عنهما إلا بالإخراج المسرحي للصورة النهائية، سنحاول أن نقدم فيما يلي محاولة بسيطة لفهم أسباب ودوافع ومآلات كل منهما.

 

التجربة المصرية .. الرائدة

أصبح من الثابت الآن أن “السادات”، حين قرر خوض حرب تشرين/أكتوبر مع إسرائيل كان يفكر بها، ويريدها، كحرب تحريك لا تحرير – وقد أخفى ذلك عن شركائه السوريين كما يعرف الجميع – بمعنى أن ما كان مطلوباً من دماء آلاف الجنود المصريين والسوريين ليس إلا تحريك الجو السياسي باتجاه “تحوّل استراتيجي” في الواقع الجامد، كما كان يصوّر الأمر. وبالطبع، لم يكن ذلك من بنات أفكاره وحده، فقد شاركته فيه أطراف دولية وإقليمية، على رأسها السعودية، بحجة أن القوى الكبرى لن تتحرك لحلّ قضية باردة راكدة، وأن “تحريكاً” ما عبر حرب “محسوبة” يمكن أن يغير كل شيء. وحين انتهت حرب تشرين إلى ما انتهت إليه، وطالب السادات من وعده بـ “التحوّل الاستراتيجي” بتنفيذ وعده، كان من أبرز الأسئلة التي طرحها عليه مهندس التحوّل اللاحق، هنري كيسنجر: “أين الطبقة الاجتماعية التي يمكن أن تسند أي تحوّل استراتيجي؟”.. ومن هنا بدأ كل شيء!

فخلال سنوات قليلة نجح السادات في إنشاء طبقة جديدة تساند فكرة السلام/ التطبيع، عبر إجراء أخطر وأسرع انقلاب اقتصادي اجتماعي – سياسي بالنتيجة – في المجتمع المصري، كانت بدايته إطلاق يد الإسلام السياسي في المجتمع – نقابات ومنظمات وجامعات – بالتوازي مع انفتاح اقتصادي فوضوي وغير مدروس، وهو ما أدى بصورة حتمية إلى فتح باب الفساد الواسع، ومعه باب الاختلال الهائل في بنية المجتمع المصري، حتى وصل الأمر، في عام 1975 – أي بعد عامين من حرب تشرين – إلى انقسام المصريين، بالنتيجة، إلى طبقتين بحدود واضحة، وحادة: طبقة “القطط السمان” التي تزداد تقلصاً وغنى في الآن ذاته، مقابل طبقة الفقراء التي تزداد توسعاً وفقراً – وصل بها سوء الأحوال إلى القيام بـ “انتفاضة الخبز” الشهيرة، عام 1977. وبطبيعة الحال، كانت الطبقة الأولى، التي جاء معظم أموالها من الفساد والارتباط التجاري والاقتصادي بالخارج، عبر التوكيلات التجارية الشهيرة، غير مرتبطة فعلياً بالقرار الوطني المصري، لذلك كانت سنداً قوياً للسادات في عملية التطبيع، فيما كان الوعد بالخير العميم الآتي من السلام، بعد سنوات الذل والفاقة، كما يحدث الآن، هو الذي أسكت الطبقة الثانية، بل جعلها ترحب، ولو بصمت، بالتطبيع مع “إسرائيل”.

وقد كانت هناك – بتعابير محمد حسنين هيكل – “صلة عند الجذور بين السلام مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادي بالطريقة التي جرى بها”.

بيد أن الأخبار تتحدث عما أبعد من ذلك، ففي صفحات التاريخ ما يقول إن السادات ذاته كان تحت رعاية خليجية مستترة، بدأت حين تسلم منصب الأمين العام للمؤتمر الإسلامي، وتزايدت بالطبع بعد أن وصل إلى قمة القرار في مصر. وكان الرجل قد بنى علاقته الودية مع الخليج، وخاصة السعودية، عن طريق كمال أدهم، صهر الملك فيصل ومستشاره والمشرف على المخابرات السعودية لاحقاً، ولهذا الرجل دور هام جداً في “إيمان” السادات بـ “التحريك” و”التطبيع”.

وتلك هي التجربة المصرية: تخريب المجتمع من الداخل، وإفساده كي يصبح التطبيع مطلباً وجودياً، “طبيعياً”، لفئة، وحلم خلاص اقتصادي لفئة أخرى.

 

التجربة الخليجية: التطبيع موقف ثابت

يمكن القول، هنا، بكثير من الثقة، إن “التطبيع الخليجي هو الموقف الثابت من القضية”، وما احتفالات التطبيع المتلاحقة إلا عملية تظهير واقع قديم قائم حان الآن وقت الإعلان عنه لأسباب انتخابية “ترامبية” بحتة لا علاقة لها بالأسباب والاحتياجات العربية، أو الفلسطينية، الفعلية. وربما كان التكذيب “الإسرائيلي” الفوري لقصة “تعليق” ضم أراض فلسطينية جديدة”، والتي أعلنتها الإمارات إنجازاً أولياً للاتفاق، دليلاً بيّناً على ذلك.

والحقيقة التي حاول الجميع التغطية عليها سابقاً، سواء بدوافع الحاجة للمال/ “الرز” الخليجي، أو بدوافع الحفاظ على شيء ما مما يسمى التضامن العربي، تقول إن لهذه المشيخات و”إسرائيل” وظيفة وأهدافاً مشتركة نابعة من طبيعة عوامل وظروف النشأة ووحدة القابلة القانونية المولّدة لهما، كما طبيعة المسار والمصير والتحديات، والأهم ضرورات بقاء المشيخة، سواء كيانياً أم سلالة حاكمة محددة. بمعنى أن التطبيع هو الحالة الطبيعية لعلاقتهما، ومن النافل هنا الحديث عن تعامل سري وعلني بينهما خلال الحقبة الماضية.

لكن الراعي الخارجي كان يريد من هذه “المشيخات” أكثر من ذلك، وبالتحديد كان يريد منها القيام بدور الدافع والمسهل والمبرر لبقية الدول العربية، وللفلسطينيين تحديداً، “منظمات مقاومة” وأفراداً، للسير في هذا المسار.

والحال فإن هؤلاء أثبتوا، مستندين إلى عاملي المال والإعلام، جدارتهم بالمهمة، ففيما تكفّل المال بشراء الأنظمة والمنظمات و”المثقفين الثوريين”، تكفّل الإعلام الخليجي، كما المموّل منه، خلال “الحقبة السعودية” التي تلت عصر النفط وبترودولاراته، باستلاب وعي الشعب العربي عبر إنتاج وعي شقي بالواقع وتحدياته، وحتى بطبيعة الصراع ووجهته الحقيقية.

وكان التأثير – والحق يقال – هائلاً في قدرته على تغريب وتغييب الجماهير عن قضاياها الحقيقية.

 

خاتمة

بهذا المعنى، يبدو أن سيرة التطبيع العربي ليست إلا سياقاً “طبيعياً” لتاريخ العرب الحديث، وما حدث كان مخططاً له منذ فترة طويلة، أي تصعيد طبقة مستفيدة وغير مرتبطة جذرياً بقضاياها الوطنية، وفي الآن ذاته قتل كل أمل بالتقدم لدى الطبقة الأوسع. وكل بلد خرج، أو حاول الخروج، عن هذا المسار تعرض للحصار الاقتصادي والسياسي والإعلامي وللتخريب الداخلي – دون أن تلغي هذه الحقيقة دور ومسؤولية السلطات المحلية في ذلك – فالتخلف القائم، بحسب الراحل حامد خليل، “موجه ومخطط له ومتعمد، وليس أبداً نتيجة لجهل الناس بشروط التقدم”.

وهذا تحديداً هو ما كسر إرادة الشعب للمواجهة والمقاومة.

بهذا، فقط، نفهم القدرة على المباهاة بالتطبيع والتنازل عن الحقوق، كما نفهم الصمت، بل القبول الشعبي بالتطبيع مع إسرائيل باعتباره خلاصاً من وضع راهن صعب ومدمر، لكنه خلاص زائف، كما نرى، لأن إسرائيل – بحكم قيامها على فكرة الصهيونية، بجوهرها العنصري وماهيتها الإقصائية – لا تستطيع أن تكون دولة طبيعية في المنطقة، فوجودها قائم على التفتيت والتذرير والتقسيم وترسيخ المذهبية والتخلف في جوارها، وإثارة الحروب الجانبية بعيداً عنها.

لذلك نقول إن كل “ثورة عربية” لا تضع في حسبانها، إضافة إلى شعار “عيش حرية عدالة اجتماعية” الموجه ضد أنظمة الاستبداد الجاثمة على صدرها، شعار معاداة إسرائيل، ليست إلا حراكاً اجتماعياً أو انتفاضة، أو.. أو.. لكنها ليست ثورة بالتأكيد.. ومآلها النهائي تغيير السلطة دون تغيير النظام التابع. والثورة السودانية الجميلة التي عوّل عليها البعض، وانتهت بتوسل الاندماج في المحور الرأسمالي الغربي، عبر البوابة الإسرائيلية، أكبر دليل على ذلك.

والحبل على الجرار.